الشيخ علي المشكيني
368
رسائل قرآنى
والإنفاق . فالإيمان بالآيات أساس لبناء التقوى التي هي الاتّقاء اعتقاداً وأخلاقاً وعملًا ، وللزكاة التي هي البذل مما حازه الإنسان وجمعه وحصله من مراتب التقوى . ثمّ إنّ مصداق الواجدين لهذه الشروط في زمان موسى عليه السلام هو جميع من آمن به واتّقي وأنفق ، وفي زمن عيسى هم المؤمنون به وبكتابه النازل بعد التوراة ، وبعد ظهور النبيّ الخاتم هم المؤمنون بالنبيّ الأعظم وكتابه . فحاصل ما أجاب اللَّه به موسى عليه السلام أنّي سأكتب ما طلبته ودعوته لكلّ مؤمن متّقي منفق ، وهم بعد ظهور النبيّ الخاتم هم الذين يتّبعون ذلك النبيّ ، وغيرهم خارجون عن الدين حينئذٍ ، غير مؤمنين ولا متّقين . ومنه يظهر أنّ الآية لا تخلو من إشعار بأنّ المراد بهم في زمان عيسى من يتّبعه ولا يخالفه . ثمّ إنّه قد ذكر في الآية الشريفة أوصاف تسعة للنبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله . ولا يبعد أن يكون ذكر خصوص تلك الأوصاف بمنزلة جواب عن عدّة أسئلة مقدّرة مفروضة ، فكأنّ سأل موسى عليه السلام ربّه عن أنّه مَن هذا الشخص الذي يجب على امّتي اتّباعه ؟ وبماذا يعرفونه عند ظهوره ؟ وما هي حقيقة دينه الذي يأتي به ؟ وما هي مساعيه الاجتماعيّة بعد إثبات دعوته وقرار أمره ؟ ففي الآية إشارة إلى أنّه هو الرسول النبيّ الامّي ، فهو الذي ينطبق عليه عنوان الرسالة من اللَّه والإنباء من قِبَله ، وهو مع ذلك امّي منسوب إلى امّ القرى ، أو إلى الامّ ، فلم يقرأ ولم يكتب ، كما قال تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ . « 1 » ومن ذلك يظهر أنّ توصيفه بكونه اميّاً ليس لكونه من الأوصاف الممدوحة ، بل لتعريفه ، وذكر آية من علائمه . وإن قلنا بكون ذلك مدحاً أيضاً في خصوصه ببعض الطواري والعناوين ، فهذه الأوصاف مذكورة لبيان تعريف شخصه ووصفه لموسى عليه السلام . وقوله : الَّذى يَجِدُونَهُ بيان لكيفيّة معرفة امّة موسى وثبوت نبوّته عندهم بعد ظهوره ؛ فإنّهم قد عرفوه بما ورد في التوراة من أوصافه الكثيرة ، كما أنّ أهل الإنجيل قد عرفوه بما
--> ( 1 ) . العنكبوت ( 29 ) : 48 .